نـحوسَة شهر صفر بين العُرف والشرع
قراءة موضوعية في دلالة هذه الظاهرة
ثمَة هَناك مقَولات يتَداوَلها أغلَب الناس عنَدما يحَلُ علينا شهر صفر الخيَر ويرون أنَها قد وردت عن أهل البيتَ (ع) وحاصل هذه النـُقولات هي أنّ شَهرُ صفر شهرٌ منحَوس مَشئوم تتنزل فيه الَبلايا والمَحن على الناس ، وإن إندَفاع هذه البلايا لا يَكون إلا بالتصَدق على الفقراء عن كل فرد بسَبع قطَع من النقَود ، ويتناقلون فيَما بينهم صلواتٌ مخصَوصة بآخر أربعاء من شَهر صفر ويرون أن الإلتزام بَها يدفع البلاء إلى شهر صَفرٍ من السَّنة القادمة كما توجد ظاهرة عند العراقيين وخاصّة النساء بكَسر شيء من البيَت خارجَهُ لتجنب النحوّسة وأفعال وأقوال لا أسَاس لها ، فلم تشر أي رواية إلى ذلك، وإنما الأساس في ذلك هو ما أشَتهر بين الناس، وربّ مشهور لا أصل له كما لم يشر علمَاء الطائفة ممن أهتَم بتصنيف الكُتب المخصصة لأعمال الشهور والأيام إلى ورَود أي شيء بخصوص نحوسَة شهر صفر، فلا إشارة لذلك في مصباح المُتهجَد للشيخ الطوسي أو إقبال الأعمال للسَيد أبَن طاووس أو البلد الأمين للكفعمي.بل نجد العشرات من مراجَعَنا وعلَمائنا الكبار عندما ينتَهون من تصَنيف كَتاب أو يُفرغَون من الإجابة على سؤال أنَهم يذكرون تاريخ الإنتهاء والفراغ، وعَندما يكون في شَهر صَفر يكتبون عبارة: (صفر الخَير)، والظاهر أن سبَبَ وصفَهُم له بالخَير هو دفع ما إرتكَز في كثَير من الأذهان من أنّه شَهر النـُحوسَة والشؤم.
نعم هو شهرٌ عُرف بمنَاسَباته الحَزينة من شهادة النبي (ص) والأئمة المعصّومين الإمام الحَسن والإمام والرضا - عليَهما السّلام - ودخول أسَارى آل محمد إلى الشاَم ويوم الأربعين، ولَذا يتجَنب الشيعة من كُلّ مَظهر فيه دلالة علَى الفَرح كالأعراس والإحتفَالات البهيَجة، وبذلك جَاءت الوصية من المَراجع والعلَماء.
ومن هنا فلا مَحذور من إنتقَالك إلى بيتَك الجديد في هذا الشَهر كما هو عند العوام بأنه لايجَوز ، ولكن نعم يُستحسَن عدم إظهَار ما يدّل على الفَرح فيه بإقامة الوليَمة، كما أن التصدق عنَد الإنتقال إلى سَكن جَديد أو تقدَيمُه عند كلّ فعَل مُهم وهو أمرٌ راجَحٌ لصَرف المَساؤى والبَلايَا ولا أختصَاص لهُ بشَهرِ صَفر.
وعليه فمن الضرَورة التنَبّيه علَى مجموَعة من الأمَور :-
أولاً :- هو أن مثل هذا الأقوَال لم يثبت وروَدها عن أهل البيت (ع) فلا يصّحُ العمَل بها على أساس أنَها جزء من الدّين كما لا يـُصح إسَناد هذه الروايات إلى أهل البيت (ع) نظرًا لعدم ثبوت ذلك. نعم يُستحب التصدق ولكن لا خصوصَية في شهر صفر أو في آخر أربعاء من صفر وإنما لثبوت إسَتحباب الصَدقة في كل وقت ومكان.
ثانياً :- وردَت روايات كثيرة عن الرسول الكريم وأهل بيته (ع) تـُنسَب النحَس والشؤم لبعَض الأيام والشُهور إلا أنّ هَذه الروايات على كثرتَها إما أن تكون ضعيفة السند بل في أشد مراتب الضَعف، وإما أن تكون مَوضوعة إختلَقها بعَض الكذّابَين ونسَبها للرسَول (ص) أو أحَد الأئمة من أهَل البَيت (ع)، وهناك روايات يُمكن الحُكم على إسَنادها بالصحة أو الإعتبار أفادت أنّ بعض الأيام موصَوف بالنحوسة وبعضها موصوف باليُمن والبركة إلاّ أن المقصود منها ليس هو المعَنى الّذي يتوهمه الناس من أنَّ ثمة أيامًا تجتلب الشقاء والبلاء والمحن وأيامًا تقتضي الخير والنعيم وإنما المقصود منها هو أنَّ أيامًا وقع فيها حدث أو أحداث محزنة كموت واحد من الأنبياء أو الأولياء وأيامًا وقع فيها خير عمَّ أثره على الناس، فوصف بعض الأيام بالمشئومة والمنحوسة إنما هو لوقوع بعض الأحداث المحزنة فيها وليس معنى ذلك أن هذه الأيام تقتضي دائمًا وقوع ما هو مُحزن فيها كما أن وصف بعض الأيام بالمباركة والميمونة إنما هو لاتفاق تنزُّل بعض النعم العامة في تلك الأيام كولادة النبي الكريم (ص) أو إنتصار المسلمين في معركة من المعارك فإن مثل هذه الأحداث لمَّا كان أثرها الصالح قد عم الناس لذلك وُصف اليوم الذي وقعت فيه مثل هذه الأحداث بالمبارك والميمون، ومن ذلك وصف ليلة القدر بالمباركة إذ أنَّه قد وقع فَي تلك الليلة حَدث لا زال النَّاس ينعمون بأثره الصالح وهو نزول القرآن الكرم. والظَّاهر أنَّ تسمية الروايات بعض الأيام بالمشؤومة وبعض الأيام بالميمونة والمباركة كان لغرض ربط الناس معنوياً بالأحَداث التي وقعت في تلك الأيَام ، فتسَميةُ يوم عاشوراء بالمشؤوم كان لغرض ربط الناس بالفاجعة التي وقعت في ذلك اليوم، وهكذا كان الغرض من وصَف ليلة القدر بالمباركة.
فلأن ربط الناس معنوياً بمثل هذه الأحَداث يُساهم في تعميق الصّلة بالدّين لذلك تم وصفها بالمُباركة والمشؤومة.
ثالثاً :- إن التشاؤم والتطيُّر من بعض الأيام والشهور وبعض الحيوانات والطَيور وأعتقاد أن لبعض الأزمنة دخلاً في وقوع المَصائب والمَحن ، إنَّ التَّشاؤم وأعتقاد ذلك ثقافة كانت سائدة في أوَساط عرب الجاهلية وقد تصدى القرآن الكريم والرسول (ص) وأهل بيته (ع) لتسفيه هذه الثَّقافة ووصف المتبني لها بالجهل وعدم الفهم. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وهذه الآية المباركة تعبِّر عن أن التشاؤم والتطيُّر لم يكن عرب الجاهلية يختصَون به بل كان سائداً في أوسَاط مُجتمعات سَبقتهم.
وورد عن الرسول الكريم (ص) أنه قال: "ليس منا مَن تطيَّر أو تُطيِّر له أو تكهّن أو تُكُهِّن له سحر أو سُحِر له".
وورد عن الإمام الرضا (ع) أنَّه سُئل: عن الخروج يوم الأربعاء لا يدور، أي آخر أربعاء من الشهر فقال (ع): "من خرج يوم الأربعاء لا يدور خلافًا على أهل الطيرة وُقيَ من كلِّ آفة وعوفي من كل عاهة وقضى الله له حاجته".
فمفاد هذه الرواية هو التحَريض على تحدَي هذه الثقافة ووعَد من تمرَّد عليها بالوقاية من الآهات والمعافاة من الآفات والتوفيق لقضاء الحاجات.
وورد عن الإمام الهادي (ع) أنَّه دخل علَيه الحسن بن مَسعود فقال له: نكبت إصبعي –جرحت- وتلقاني راكب وصدم كتفي ودخلتُ في زحمةٍ فخرَّقوا عليَّ ثيابي فقلت كفاني الله شرَّك من يوم فما أشأمك. فقال لي (ع): "يا حسن هذا وأنت تغشانا ترمي بذنبك من لا ذنب له. قال الحسن: أستغفر الله أبدًا وهي توبتي يا بن رسول الله (ص). فقال (ع): "والله ما ينفعكم ولكن الله يعاقبكم بذمها على ما لا ذمَّ عليها فيه... لا تعد ولا تجعل للأيام صنعًا في حكم الله".
ثمَّ أنَّ الكثير من الروايات أكَّدت على أنَّ التشاؤم لا يعدو كونه أمرًا نفسانيًا لا أثر له في الواقع فإذا أصاب الإنسان من شيء فليدفعه بالتوكل والاعتصام بالله عزَّ وجلَّ وبالدعاء والصدقة.
ورد عن النبي (ص) أنَّه قال: "إذا تطيَّرت فامضِ وإذا ظننت فلا تقضِ.."
وورد عنه (ص) أنّه قال: "كفارة الطيرة التوكل".
وورد عن الإمام الكاظم (ع): "الشؤم للمسافر في طريقه سبعة أشياء، الغراب الناعق عن يمينه والكلب الناشز... فمن أوجس في نفسه منهنَّ شيئًا فليقل اعتصمت بك يا ربّ من شرِّ ما أجد في نفسي، فيعصم من ذلك".
رابعاً :- أن سبب أعتقاد الناس بنحَوسَة هذا الشهر هو ما ذكرهُ الشَيخ عبَاس القُمّي في الفصل الثامن من البَاب الثَاني من كتابه مفاتيح الجَنان حول شهر صفر فقال:-
[ إعلم أن هذا الشهر شهرٌ مَعروفٌ بالنَحوسَة، ولا شيء أجَدى لرفع النحوسة من الصدقة والأدعية والاستعاذات المأثورة، ومن أراد أن يُصان مما ينزل في هَذا الشهر من البلاء فليقل كُلّ يوم عشر مرات، كما روى المُحدّث الفيض وغيره: ( يا شدَيد القوى ويا شدَيد المحَال، يا عزيز يا عزيز يا عزيز، ذلّت بعظمتك جميع خلقك فاكفني شر خلقك، يا محسن يا مجمل، يا منعم يا مفضل، يا لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين، وصلى الله على محمد وآله الطيَبين الطاهرين ) .
ولا خلاف لدينا مَعهُ رضَوان الله علَيه في أن الصّدقة والأدعَية والإسَتعاذات نافعَة لكُلّ أمَر جاء الدليل علَى نحَوسته، ولكَن الكَلام كُلّ الكَلام في وجَود ذلك الدليَل في خصَوص شهر صفر. فما ذكره من كونَهِ مَشهوراً لم يَسنده إلى أسَاس، هل الشهرة هَي الرواية؟ أم هي أحَاديث الناسَ؟ ولو كان الأول لبَان وأظهرهُ بنفسَه، ولو كان الثاني فلا قيّمة له .
ولأنّه لم يَرد في النحوسَة شَيءٌ مَنصوص بيّن الشيَخ عباس القمّي الوجُوه المُحتمَلة لهذا المشَهور في كتابه وقائع الأيام فقال :-
[ إعلم أن هذا الشهر عُرف بالشؤم، ربّما كان السَبب وقوع وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في هذا الشَهر، يوم الإثنَين، وربما كان الشؤم بسبَبِ وقوع شهَرُ صَفر بعد ثلاثة من الأشَهر الحُرم حيث حرّم الله فيها القتال، وقد سُمِح لهم بالقتال في هذا الشهر، فكَان الناس يتركَون بيوتهم ويتأهبون للحرب، وهذا مَدعاة للشؤم ].
وهَذان الوجَهان أخوتي الأفاضل مَردوَدان ولا ينفَعان في تأسَيسِ الشَؤم وإثباته لأنه ذكرهَما على نحَو الإحتمَال الظنّي الّذي لا يسَمَن ولا يغَنَي من جَوع، ولأنّ نفَس الإحتمَالين ضعَيفان. أما الإقتران بَوفاة النبي (ص) فلا يـُجعَل الشهر كلّه ذا شؤم بل يجعله مَقروناً بالحُزن، فشهادة أمًير المؤمنين (ع) كانت في شَهرِ رمضَان المُبارك وكذلك شهادة بقية المعصَومين وقعت في أشَهر مُختلفة لم يَرد فيها أنها أشهر شؤم و نحوسَة.
أما وقوعه بعد الأشُهر الحرم فهذه قضيَة خارجية لا عَلاقة لها بالشهر نفسَه، وهو تابَع لطبيَعة المُجتمعَات في الأزمَنة المُختلَفة، فقد يكون منَشأ الشَؤم لأجَل الحَرب بالنسبة لبعض العرب في الجَاهلية، وقد لا يكون كذلك لأقوام آخرَين من العَرب في ذلك الوقت أو في أوقات أخرى، كما قد لا يكون كذلك لغير العرب.
خامساً :- إنّ ما أستَدل عليَه الشيخ عَباس القمّي بالدَعاء الّذي نقلَهُ عن الفَيض الكاشَاني فلا ينفع في الإثبات. أما الدعاء فلَم نجَدهُ في كُتبَ الأدعيَة التي سبَقت الفيض الكاشَاني (قد)، وهو لم يشَر بعد الرجَوع إلى النسَخة الخطيّة للكتاب إلى أن الدعاء قد رواهُ عن أيّ واحد من المعصومين عليهم السلام. ولو قلّنا أنّهُ من الأدعَية المأثورة – كما هو مُقتضَى دأب علمائنا في مثل هَذه الأدعيَة المُخصّصة للأزمنة - فإن ترتَب أثر دفَع البلَية في شهر صفر على قراءة الدعاء لا يجَعل الشَهرُ منَحوسَا، لعدم المُلازمة بيَن قراءة الدعاء لرفَع البلايا النازلة فَي زمَان ما وبيَن نـُحوسَة ذلك الزمان، فما أكثر الأدعية التيَ ورد النصّ بقراءتها لدفع البلاء عما يكون في يوم الإنَسان أو فيَما بين الجُمعتيَن أو في تلك السنة، ومع ذلك لم يدع أحد أن أيام السنة كُلّها منحوسة.
وأكتفي بذكر بعض الأمثلة على ذلك:
[ روى الشَيخ الطوسي عنهَم - عليَهم السّلام - أن من صلّى الظهر يَوم الجمعة، وصلّى بعدها ركُعتَين يَقرأ في الأولى الحَمد، وقل هو الله أحَد سَبعُ مرَات ، وفي الثانية مَثل ذلك، وقال بعد فراغَهُ منها: «اللهم أجعلَني من أهل الجَنّة التي حشَوَها البَركة وعُمّارَها المَلائكَة مع نبَيَنا مُحمّد وأبيَنا إبراهيم - علَيهما السّلام » تقول الرواية : لم تضَرهُ بليّة، ولم تصَبهُ فتنَة إلى الجُمعَة الأخَرى وجمَع الله بيَنهُ وبَين مُحمّد وإبَراهيم عليَهما السّلام.
وروى الصّدوق بسَندهِ عن الإمام جعفر بن محمد (ع)، عن أبيه، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب (ع) ، قال: «قال رسول الله (ص): من قرأ في دبر صلاة الجمعة بفاتحة الكتاب مرة و(قل هو الله أحد) سبع مرات، وفاتحة الكتاب مرة و(قل أعوذ برب الفلق) سبع مرات وفاتحة الكتاب مرة و(قل أعوذ برب الناس) سبع مرات لم تنَزل به بلية، ولم تصبَه فتنة إلى يوم الجمعة الأخرى ] .
أكتفي بهذا الأيضاخ ونسأل الله تعالى ان يدفع عنا جميع انواع البلاء والحمد الله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على محمد وآله الطاهرين .
أســـامة العتــــابي
1 / صفر الخير / 1436 هـ