بقَطْع النّظر عن الحُرمة الشرعية الثابته لشُرب الخمر ، والتي تؤكده النصوص الدينية الصحيحة في حرمة (الشُرب) عند جميع الأديان ، إلاّ أن مَوضع الخلاف الذي نشاهدهُ في أروقة شبكات التواصل الإجتماعي ، بين الإسلاميين ( كوجهة نظر شرعية ) وبين غيرهم (كوجهة نظر قانونية مدنية ) هي أنهم لم يُميّزوا بين حرمة الشرب وبين مسألة البيع والشراء والتداول ، ولي وقفة حول هذا الموضوع ، من وجهة نظر دينية ، بصرف النظر عن المسألة القانونية التي أقرّها البرلمان (الفاسد) ، والمسألة الدينية التي تُقرّ بحُرمة شُرب الخمر كإحدى محرمات الشريعة الإسلامية ..
1- لقد قامت سيرة المسلمين قاطبة خلفاً عن سلف على عدم مؤاخذة غير المسلم حتى الذمّي بشيء من الأحكام فلا يُؤمْرون بالصلاة ولا بالصيام ولا بالحج ولا يُنْهَوْن عن شرب الخمر أو القمار أو الإفطار في شهر رمضان ، ولا تجري عليهم الحدود إلاّ بدليل خاص ، وهذا ما أسس إليه الفقهاء من أن غير المسلمين أو من لم يَعتنق دين الإسلام فهو غير مكلّف بالفروع ، ولم يكن مطالباً وملزماً بإتيان الواجبات الإسلامية من العبادات وغيرها وترك المحرّمات أيضاً .
2- لم يكتفِ الإسلام بعدم إلزام غير المسلمين بالعبادات والطقوس الإسلامية ، بل مَنَحَ أهل الكتاب منهم حرية دينية كاملة ، فأقرّهم على عقائدهم وعباداتهم وسلوكياتهم المشروعة في دينهم وإن كانت محرّمة في شريعة الإسلام ، أو تمثّل مصداقاً للشرك بحسب الرؤية الإسلامية ، وعلى ضوء ذلك فلا يجوز قَمْعهم ومنْعهم من ممارسة أعمالهم العبادية بحرية تامة وممارسة ما تجّوزه أديانهم إن قطعوا بصحة ماورد فيها ، وقد رأينا أن رسول الله (ص) قد سمح لنصارى نجران أن يؤدّوا صلاتهم وطقوسهم ويضربوا بالناقوس في مسجده في المدينة المنورة ، حتى قال بعض أصحابه : هذا في مسجدك يارسول الله ، فقال (ص) : دعوهم . بل ورد عدم جواز منعهم حتى في ظلِّ الدولة الإسلامية من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير وغير ذلك مما هو جائز في شريعتهم ويقطعون بصحة ماورد فيها ، نعم للحاكم الشرعي أن يشترط عليهم عدم التجاهر بهذا المنكرات أحتراماً لمشاعر المسلمين وخشية انتشارها بينهم .
3- ورد أيضاً في الفقه الإسلامي بعدم مالكية المسلم للخمر والخنزير ، لكن لو أن كتابياً باع خمراً او خنزيراً وقبض الثمن فيجوز للمسلم أن يمتلك هذا الثمن منه قضاءً لدينه أو استفياءً لبعض حقوقه ، وهذا ما دلّت عليه الأخبار الصحيحة الواردة في فقه أهل البيت (ع) كما سئل أحدهم الإمام الصادق (ع) قائلاً : قلتُ لأبي عبد الله (ع) لي على رجل ذمّي دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر فيحلّ لي أخذها ؟ فقال : إنما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك . (الكافي،ج5 ،ص 232) وهذا يدل على شرعية التعامل المالي مع بائع الخمر ، بل وأفتى بذلك فقهاء السنة أيضاً كما كتاب الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ لـ أ. د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق - كلّيَّة الشَّريعة .
وفي هذا السياق المفعم بالتسامح والمرونة تجاه الآخر من وجهة نظر الإسلام هو في ظلّ الحكم الإسلامي فقط ، إضافة إلى أن الفقهاء أختلفوا في مسألة عقوبة شارب الخمر هل هي الحدّ أم التعزير ؟ فضلاً عن أن البعض لم تثبت عنده أصل العُقوبة الدنيوية ، بل أوكلها إلى الآخرة والمصير الإنساني هناك ، أما في غير الحكم الإسلامي فلا مَدخلية للإسلام في ذلك ، والعراق لم يثبت كونه دولة إسلامية حتى يمكن إقرار هذا القانون وترتيب عقوبة على مخالفيه ، فضلاً عن أن أفراد شعبه ذات تعددية دينية وفكرية تختلف مع وجهات النظر الإسلامية ، نعم لو اقرّ منع التجاهر بالشرب لكان أفضل ، بأعتبار أن الشرب ( على نحو التجاهر ) سيكون ضد حرية الفرد المُسلم الذي يرى أن مسألة شرب الخمر تضرّ بمعتقده وأنها تُسبب له ضرراً في سلوكه ، فيكون (المنع) لإنها تضر بالآخرين سلوكاً وفكراً فالأولى عدم التجاهر بها ، أما منع بيع وتصدير وأستيراد للخمور في دولةٍ فاسدةٍ يكون المسؤول فيها مخموراً قبل المواطن ، تحت حكمٍٍ غير إسلامي ، فهذا خلاف العقل والموازين الشرعية من أن الفاسد كيف يأمر بالمعروف وينهى على المنكر ، كما أن الأوْلَى ( بعد الإقرار ) أن يُعمّم ذلك على المَسؤولين في الدولة وتعاطيهم للخمور قبل أثبات العقوبة على المواطن ؛ لإن القانون يسيري على الجميع بلا أستثناء . فضلاً عن ان إقرار هكذا قوانين في مرحلة حسّاسة جداً يمرّ بها العراق نحو تحديد مَصيرهُ المستقبلي يُعتبر خطوةً فاشلةً وغير مدروسه وغبيّه ، ناتجه عن جهل هذا البرلمان بمَصير العراق المجهول الذي وقع بأيديهم المليئةُ بالفساد .
العراق يحتاج إلى أن يتطهّر من الفاسدين والمنافقين قبل أن يتطهّر من الخمور.لذا أجاد من قال إن رافضي مشروع قانون مجلس النواب، لا يجب أن يختلط عليهم الأمر ظانين أن معركتهم مع الحُرمة القرآنية أو الفقهية. ليصوّبوا سهامهم إلى السماء. إنما معركتهم على الأرض، ضدّ القوانين الأرضية ما دُمنا لم نصبح بعدُ جمهورية إسلامية كجارتنا إيران، أو مملكة إسلامية كجارتنا السعودية، أو دولة إسلامية كجارتنا داعش!
