حينما تُلتبس الرؤى ، وتشتبك الإجتهادات والآراء ، ويدخل من ليس له أختصاص في تحقيق مسألة تأريخية ما ، أو موقفٍ شرعي خاص ، تجد البعض يَعيش العُقد النفسية ، والميولات الحَزبيّة الضيّقة ، وتكون هي الغالبة على عقول أولئك ، فنتحول من حَالات الحوار ، إلى حالات الصراع والفرقة شوالخلاف وتشابك الخطوب والإتجاهات ، كما أن المسألة التاريخية ، والقضايا الفقهية والشرعية ، عندما تخرج من سَاحةِ العلم والعُلماء ، وتدخل ساحة الجهلِ والجُهلاء ، سوف يقع المُجتمع في حيصٍ وبيص ، فيزدوجون ويتناقضون مع أنفسهم ، ولا يستطيعون فكاكاً من مَوروثهم الذي ألّفوه ، ولا قدرة لهم على تجاوزه والتعالي عليه فيقعون في خانق الحرج والإرتباك ، فنهيب بالنُخب المثقّفة ان تتصدى بقدر إمكانها في بيان خطورة هذا الموقف في المسائل التاريخية التي تترتب عليها آثار سلبية على الواقع الذي تعيشه الإمة الإسلامية ، والشعب العراقي بالخصوص ..
السيَّدة العلوية شريفة بنت الحسن ، التي أشغلت الساحة الدينية مؤخراً في نَسبها ، وفي مشروعية قبرها ؟ فذهب بعضٌ إلى عدم الإثبات مُطلقاً ، وذهب الآخر إلى أثبات وجودها ، وموضع قبرها ، رغم أن المدافعين - مع شديد الأسف - على القول بعدم الأثبات ، أنطلقوا من الدفاع عن الأشخاص القائلين به ، ولم ينطلقوا من التحقيق العلمي والتاريخي في ذلك ، فكإنّما المسألة هي مسألة تقليد من يقول بعدم إثباتها ، والمشهور عِندنا بإن المسائل التأريخية لا تقليد فيها ، فأستطيع أن اُخالف مرجعي في مسألةٍ تاريخية ما تثبت لي بالأدلة العلمية المُعْتمدة ، رُغم عدم ثبوتها عنده . وكذلك نتأسف للمُدافعين عن إثبات وجودها ، حيث أنطلقوا من العاطفة غير المُعقْلنة ، والمَحبّة الشديدة التي تصل إلى حدّ التقديس ، والكرامات الحاصلة للقبر الشريف ، والمَنامات التي تُرى ، والكُشوفات التي تحصل لبعض الناس وغير ذلك ، بل أنطلق البعض في الدفاع عن إثبات وجودهاً ندّاً للذين أنكروها فصرنا نعيش ثنائية الذات والآخر ..
وعلى هذا الإساس ، فإذا أعتبرنا التاريخ مَعارك سياسية ، وخلافات فكرية ، فلن نصل إلى شيء نُريد أن نثبته أو نُنكره ، و لم نرتقي في حَضارتنا إلى مستوى الإعتدال والحوار والنقد البنّاء .
وقفاتٌ عَلميةٌ لقَبرِ السيَّد العَلَوية .
1- إن أقْدَم وثيقة شيعية تاريخية نَسَبية تتعلق في عدد أولاد الإمام المعظَّم السبط الشهيد مولانا الحسن المجتبى (ع) هي ـ بحسب المُختصين ـ وثيقة الشيخ المفيد في الإرشاد، فقد أحصى أسماء أولاد الإمام فبلغت خمسة عشر ولداً؛ الذكور منهم :أحد عشر ذكراً؛ وأربعة منهم إناث ، هُنَّ : ( أم عبد الله/ فاطمة / أم سلمة / رقية ) . اثنتان منهنَّ لم تذكر لهما المَصادر التاريخية اسماً ؛ بل ذُكرتا بالكنية وهما: أم عبد الله وأم سلمة .
2- يَرجع المُحققين السبب في عدم التصريح بإسم (أم عبد الله وأم سلمه) كغيرهما من أسماء بنات بقية الأئمة الأطهار عليهم السلام إلى أمرين هما :
(الأمر الأول) : اندثار الأسماء باندثار النسخ التاريخية المصدرية بفعل البعد الزمني الفاصل بيننا وبين عهود الأئمة ما أدَّى إلى الجهل بأسمائهم الشريفة ..
(الأمر الثاني) : عنصر التقية الشديدة التي عاشها الشيعة في عهود النواصب الظالمين في دولتي بني أمية وبني العباس ، مما أدَّى إلى التغييب القسري لأسماء بعض بنات وأزواج الأئمة الطاهرين حرصاً من الشيعة على ذوات أولئك الطاهرات (عليهن السلام) من أن ينالهنَّ الأذى من قبل الظالمين .
هذان الأمران غاية في الأهمية لإعطاء ضابطة كليّة للشيعة للتحفظ على عدم التسرع في الإنكار والجحود لكلِّ شخصية هاشمية محتملة الثبوت إلى ذرية الأئمة الطاهرين عليهم السلام لا سيَّما بناتهم وأزواجهم الشريفات الصدِّيقات عليهنَّ السلام .
3- إن الأصل العلمي - في المقام - يقتضي القول بأن السيَّدة (شريفة) ليست بنتاً صلبية للإمام الحسن المجتبى (ع) ، وهذا الأصل هو ما يسمى بالقدر المتيقن في الخطاب، وذلك لأن الحكم بكونها بنتاً صلبية له لا يتم إلاّ بدليل أو رواية ظنيّة نطمئن إليها أو معتبرة سنداً أو دلالةً نقطع بها صحة النسبة إلى المعصوم (ع)، وكلاهما مفقود في مورد النسبة للسيدة (شريفة) صاحبة المرقد في الحلة، فلا بدَّ ـ والحال هذه ـ أن نبني على عدم كونها بنتاً صلبية للإمام الحسن (ع) ؛ نعم إن مقتضى قاعدة الاحتياط هو الحكم بعدم طرح كل ما يحتمل نسبته إلى الأئمة الطاهرين ، لاسيما القبور المنسوبة إلى ذراريهم، فينبغي للمؤمن أن لا يزور صاحب المشهد أو القبر الشريف برجاء كونه ابن أو بنت صلبية للإمام ، ومن هذا القبيل المرقد المعروف في الحلة باسم السيَّدة (شريفة) إذ ليس في مصادرنا ما يثبت بأن هناك بنتاً لإمامنا الحسن المجتبى بإسم(شريفة) إلا أنه من المحتمل أن تكون إحدى البنتين المكنتين بأم عبد الله وأم سلمة ، فمقتضى الاحتياط أن لا يتسرع الفقيه في الحكم بالنفي؛ فإنه خلاف التقوى والورع...وإذا دار الأمر بين كونها بنتاً للإمام وبين كونها من ذراريه، فالأصل يقتضي كونها من ذراريه شريطة أن تكون النسبة الهاشمية الحسنية متحققة بشهرة يطمئن بها إلاَّ إذا دل الدليل المعتبر على أنها من بناته الصلبين، فيحكم بكونها بنتاً صلبية له صلوات الله عليه .
4- ينقل بعض كُتاب التاريخ ، وأرباب السير ، بأن الإمام الحسن (ع) لقّب ابنته (رُقية) بـ ( شريفة ) لتميزيها عن السيّدة ( رقية ) بنت الإمام الحُسين (ع) ، وهذا مما جعل البعض يشتبه بإن تلك الموجودة في الحلّة هي السيّدة شريفة التي هي نفسها السيّدة رقية ، وهذا الأمر غير صحيح إطلاقاً ، حيث أن رقيّة بنت الإمام الحسن قد أشارت بعض مصادرنا المعتبرة بإنها قد دُفنت في المدينة عند رجوع السبي من كربلاء . كما ان التمييز المذكور ليس من الإمام الحسن ، إنما وَضَعه بعض الكُتاب كما وضعوا عليٌ الأكبر وعليٌ الأصغر للتمييز ، وإضافة لذلك فأن الخبر غير تام عقلاً ؛ لإن رقية بنت الإمام الحسن أسبق ولادةً من رقية بنت الإمام الحسين فكيف يحصل التمييز قبل ولادة الثانية على القول بإن للإمام الحسين بنتٍ أسمها رقيّة لإنها موضع خلاف ...
5- الشهرة بما هي شهرة عامية من دون أن تكون مستندة إلى دليل علمي لا تكون حجةً شرعية في إثبات النسب الصلبي للمعصوم ، ولو اشتهر بين العوام بأن ضريحاً ما هو لابن المعصوم ، ولم يكن هناك دليل على صحة النسبة إلى المعصوم فلا بأس حينئذٍ في العمل بالاحتياط بزيارة صاحب الضريح برجاء المطلوبية، أي: برجاء كونه ابن المعصوم وليس بالضرورة أن يكون أبناً صلبياً ، فإنه يمكن ان يُلقّب لذراري المعصوم بإسم أنهم أبناءه كما يُلقب السادة بأنهم أبناء رسول الله (ص) ؛ وهذا أبرأ للذمة عند الله تعالى والحجج الطاهرين عليهم السلام ، فيُزار القبر بعنوان أنهُ باب من أبواب الله تعالى ، وأننا نشهد بحُرمة صاحبه ، وأن له عند الله مقاماً ومرتبةً عالية ، بلا أن نذكر أسم صاحبه - إن شككنا بنسبة (الشخص) أو وجود (القبر) - .
6- إن تكرّر الكرامات من صاحب المقام أو الضريح الشريف بما هو مقام أو ضريح؛ ليس دليلاً على القطع بالنسب للمعصوم ، إذ إن صدور الكرامات عند الضرائح المجهولة النسب لا تعني بالضرورة أن صاحب الضريح من ذرية الأئمة الطاهرين ، إذ إنه قد يكون من أوليائهم المقربين، وأعظم شاهد على ما نقول هو ما يصدر من كرامات عند ضريح الولي الصالح حبيب بن مظاهر الأسدي وغيره من أولياء أئمة أهل البيت عليهم السلام، بالرغم من عدم كونهم من ذرية الأئمة الطاهرين عليهم السلام، فصدور الكرامة عند الضرائح المقدسة أعم من أن يكون أصحابها من ذرية الأئمة المطهرين عليهم السلام، نعم أغلب الكرامات تصدر من مقامات لأولاد الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم، ولكنه معلوم الحال، وكلامنا في المقامات غير معلومة الحال بالنسب الشريف، فالأصل يقتضي القول بأنها لأوليائهم من شيعتهم الموالين والمتبرئين من أعدائهم أجمعين ، فلا نسرع في الحكم على حرمة الزيارة له - حتى لو كان مشكوك النسب - .
7- المصادر التي لابد الإعتماد عليها في أثبات صدقية النسب أو المرقد هي :
أ- الشهرة والسيّرة العملية يداً بيد عن الإجيال السابقة وصولاً إلى زمان صاحب القبر.
ب- الشهادات الموثوقة ، كشهادات العلماء ، أو مؤرخي التاريخ ، أو الجغرافيين ، أو الرحّالة ، أو الفقهاء ، او ممن عاصروا صاحب المرقد وعاينه ، أو نُقل عن الثقاة ، أو شهدوا بشهرةٍ ممتدةٍ إلى زمن صاحب الضريح ، أو شهادة ذراري أو أبناء أو أحفاد صاحب المرقد ..
ت- الإستناد إلى علماء الآثار والطب ، فأنها تنفع في المقام ، وذلك من خلال الدراسات الميدانية ، وقراءة شواهد القبور ، ومعرفة نوعية الخطوط المكتوبة عليها ، التي يمكن تحديد الفترة الزمنية لها .
8- المصادر التي لا يمكن الأعتماد عليها في أثبات صدقية المقامات أو تصحيح نسبة القبور إلى إصحابها هي :
أ- المنامات : فهي لست حجة شرعية في إثبات شي او نفيه .
ب- حصول الكرامات : فلا يمكن التعويل عليها في أثبات صحة المرقد ، فإن ما يحصل من شفاء مريض أو عليل أو قضاء حاجة أو غيرها ، كُلها كتعبير عن لطف الله تعالى ببعض عبادة الذين يتوجهون إليه بإخلاص ، وصدق نية ، متوسلين إليه تعالى ببعض أسمائه أو انبيائه أو أولياءه ، او بحرمة صاحب القبر ، وهذا لا يتنافى مع قانون السببيّة كما هو المتحقق عند علمائنا الأبرار في أثبات مشروعية زيارة القبور والدعاء عندها .
ت- الكشف والشهود ، وهو ما قد يحصل عند العرفاء او المتصوفة ، أو بعض عامة الناس المؤمنين ، فهذا لايمكن الاعتماد عليه أيضاً ، في كونه حجّة على الآخرين ، نعم قد يكون بيّنه لصاحب الكشف والشهود ، وهي خاصٌ به ، ولا يمكن تعميمها على الآخرين في الأعتقاد بما رآءه ذلك الشخص .
وأخيراً :
علينا أن لا نتسرع في إنكار القبور المُشكوك صحتها ، كما أننا لا يمكن أن نقطع باليقين في أثباتها السندي والتأريخي ، كما أن جريان حكم الأصالة في ذلك مما يمكن الأعتماد به أيضاً ، وعلينا ان نترك كل تلك المُهاترات التي تحصل بين القائلين بإثبات القبر الشريف ، وبين المُنكرين له ؛ لكي نخرج بصورةٍ حوارية نافعة للآخرين , ولله الحمد على نِعَمَه ظاهرها وباطنها .
