يقول السّيّد الشهيّد الصّدر : - ما دامت الدولة قد أُسّست على أساسٍ من حبّ الذّات، إذن فَمَتى وافقت مَصالحها مصالح الأفراد، تبَعوها وأخلصوا إليها. وكُلّما خالفت مَصلحتها مَصلحتُهم أو مَصلحتهُم مَصلحتها، خالفوها وتمرَّدوا عليها . فإن الحكومة عندما يظهر منها أنَّها تُريد نشر العدل والرفاه وازدهار الصناعة والاقتصاد في ربوع المُجتمع، فإنَّ الناس يرضون عنها، ويخضعون لها ويُحبَّونها، وعندما يحدث العكس، ويظهر من الحكومة التصلّب والتشدّد وإصدار المَراسيم الاستثنائيّة والقوانين ذات المصلحة الشخصية ( الفاسدة ) وغير ذلك، فإنَّ الشعب ينفر مِنها ويتقزّز من حُكمِها، وذلك انطلاقاً من [جري] الشعب وراء نشدان العدل والرفاه، المنبثق من حبّ الذّات . والقانون الذي تصدره الحكومة أيضاً لا يمكن أن يُطاع، إلَّا بحبّ الذّات، كما فإنَّ كلّ موافق عليه ناظرٌ إليه على أنَّ فيه سعادة ورفاهاً للمجتمع، مستعدّ أن يُطيعه وأن يخضع لتعاليمه، في حين أنَّ غير المُوافق عليه، غير مستعدّ لذلك، وغير راغب في اتّباعه؛ وذلك لأنَّه يَرى به على المجتمع- ومن ثمَّ على نفسه- ضرراً بشكلٍ من الأشكال؛ لأنَّه مخالفٌ لسيادة العدالة والرفاه في المجتمع في نظره، ومن ثمَّ يندفع عن حبّ ذاته إلى عصيانه وإلى التمرّد عليه. ومن ثمَّ كانت الأقليّات في حكومة الأكثريّة دائمة التمرّد ودائمة الاعتراض ودائمة المشاكسة للحكومة؛ باعتبار أنَّ قوانين الحكومة لا تُمثَّل رأيها، ولا تُمثَّل ما تراه صالحاً للمجتمع ولحلّ مشاكله ولتذليل صعوباته. ومن ثمَّ أيضاً كانت الحكومة إذا أصدرت قوانين وتعليمات ضدّ آراء أكثريّة الشعب أو ضدّ آراء فئات قويّة فيه، فإنَّها تتعرّض لتمرّداتٍ وثوراتٍ وانقلاباتٍ خطيرة قد تطيح بكيانها وتأتي بأُناسٍ جدد إلى كرسيّ الحكم . إذن فحقّ الثورة على الحكومة إنَّما ينبع عندما تنحرف الحكومة عن إرادة الشعب وعن مصالحه وعن نشر العدالة فيه، وبالتلخيص: عندما تنحرف عمّا يراه لنفسه كمالًا وعمّا خطّطه لنفسه من وسائل وسبلٍ للوصول إلى ذلك الكمال الناشئ حبّه من حبّ ذاته. وهذا هو ما قاله أيضاً (جون لوك) من الاعتراف بحقّ الثورة عندما تنحرف الحكومة وتكون دكتاتوريّة وضدّ رغبة الأكثريّة.وهذا تفسير لحقّ الثورة .. من أنَّ الشعب عندما يرى الحكومة مخالفة لهواه ماشية على غير الطريق الذي رسمه لنفسه نحو الكمال، ذلك الكمال الذي يحبّه بحبّ ذاته، فإنَّه يثور عليها ويتمرّد على مقتضيات تشريعها.السّيّد الشهيّد الصّدر .المصدر : حب الذات و تاثيره في السلوك الإنساني، ص: 126