
يُصر السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله) على سلميّة حركته الإصلاحية، مُنذ انطلاق المظاهرات المليونية، وحتى هذه اللحظة، لذلك هو يُصدر البيان تلو البيان ليوجّه الجماهير، ويُطالبهم بعدم عرقلة الحياة العامة، أو قطع الطرق، وغيرها من الممارسات التي قد تضر بمصالح الناس، فهو (أعزّه الله) يعلم أنّه بدأ مشواره الطويل لاجتثاث الفساد الذي عشعش في كل مفاصل الدولة من جذوره، وهذه المسيرة بحاجة إلى الصبر والتحمّل، والتأنّي باتخاذ الخطوات حتى لا تنزلق البلاد في فوضى يختلط فيها الحابل بالنابل.
والدليل على طمأنينة الرجل وثقته بالله (سبحانه) وإنه فعلا قاصداً للإصلاح ساعياً له، هو ذهابه ليلة أمس مع ثلة من إخوانه المؤمنين ليطرق على أبواب الغبراء، هناك في وكر الفساد والمفسدين، وكأنه أبو ذر الغفاري يقف على باب (قصر الخضراء قصر معاوية) ليصرخ بوجوههم: إن كان هذا من أموالكم فهو الإسراف، وإن كان من مال الشعب فهي الخيانة..!!
في المُقابل نجد حيتان الفساد، وعرّابيهم من الداخل والخارج يحاولون جاهدين جر الجماهير إلى المواجهة المُسلّحة، وقد اتخذوا العديد من الخطوات التي من شأنها أن تُدخل البلاد بحمامِ دم.
وقد تكون من أخطر الخطوات التي قاموا بها هي نشر وحدات من الجيش العراقي والأجهزة الأمنيّة على الطرق المؤدية إلى المنطقة الغبراء، وقطع الجسور بحواجز خراسانية وأسلاك شائكة بوجه المعتصمين، ولولا لطف الله (سبحانه) بالناس، وحكمة قيادة الإصلاح، وعقلانيّة الضباط الذين أوكلت لهم المهمة ـ والذين اُريد لهم أن يكونوا كبش الفداء ـ لأزهقت الكثير من الأنفس البريئة.
هذا عدى عن التصريحات الناريّة التي أطلقها البعض (السلاح بالسلاح والرجال بالرجال) وأكاذيبهم حيث زعموا أن السعودية هي التي تموّل هذه المظاهرات والاعتصامات لخلق حرب شيعيّة شيعيّة..!!
وفوق هذا تأتي قنوات الفتنة المأجورة ـ المدّعية للتشيع زورا وبهتانا ـ فهي تدافع عن كل قضايا الدُنيا وتسلط الأضواء حتى على الشقروات اللاتي تباكين على قتلى بروكسل، لكن كاميراتهم عميت عن الصلاة المليونية التي وصلت الكرخ بالرصافة لترسم ملحمة إيمانيّة لم يشهدها الشارع العراقي حتى في زمن السيد الشهيد محمد الصدر (قدس سره)، ولتوصل ما قطعه الفاسدون بإرهابهم وطائفيّتهم..!!
وبدلاً عن ذلك راحت ـ هذه الفضائيات ـ تبث الدعايات وتتقوّل على الناس وتتهمهم بشتى التُهم الزائفة حتى قالت إن قيادة حزب البعث قررت المشاركة بالاعتصام الذي دعا له السيد مقتدى الصدر..!!
خلاصة الكلام يظهر من تباين الخطابين، خطاب الإصلاح الداعي إلى السلم والسلام، وخطاب الفساد الداعي إلى السلاح بالسلاح، فالفاسدون وأعوانهم وأدواتهم المأجورة ـ في الداخل والخارج ـ يضعون الشعب العراقي وقيادته الشعبية المتمثلة بسماحة السيد الصدر (أعزّه الله) بين خيارين لا ثالث لهما.
أما أن تسكتوا عن سرقاتنا ونهبنا لأموالكم، وتتركونا على فسادنا نفعل ما نشاء دون حساب، أو إننا سنحرق العراق من شماله إلى جنوبه..!!
طبعاً هُم ليس بأيديهم شيء يفعلونه، ولو أنّهم يعلمون أن الجيش العراقي والشرطة وباقي الأجهزة الأمنيّة، ستنفذ أوامرهم الجهنّميّة وتطلق الرصاص على المتظاهرين العُزل لما ترددوا في ذلك طرفة عين، وصولة "الفرسان" المشؤومة خير دليل على همجيتهم ووحشيتهم، لكنهم وثقوا ـ هذه المرّة ـ أن جيش العراق وقواه الأمنيّة لن تدخل في نزاع مُسلح مع شعبها الأعزل، خصوصاً وإن المظاهرات اتسمت بالشمولية واشتراك كل أطياف الشعب العراقي فيها، لذلك لم يبق لهم من الخيارات سوى التهديد الزائف، والاعتماد على بعض المرتزقة الذين قد ينصاعون للأوامر التي تأتيهم من خلف الحدود.
لكن حتى هؤلاء يُدركون حجمهم الحقيقي، فصفوفهم الممتلئة ـ اليوم ـ بالشباب المجاهد امتثالاً لأمر المرجعية بالجهاد الكفائي، سرعان ما يضربها الخِواء وتفرغ من المقاتلين إن وقفوا بوجه ثورة الإصلاح، لأن أغلب هؤلاء الشباب سينحازون إلى شعبهم ووطنهم فيما لو وقعوا بين خيارين (وطنهم وشعبهم) أو (الجيران وذيولهم الفاسدة) وسيختارون العراق وشعبه وقائده الصدر.
أما المُحتل الأمريكي فأنا على ثقة أنّه لن يتورّط في مواجهة مع كل الشعب العراقي، خصوصاً إذا ما كان على رأس هذا الشعب قائداً جربوه فيما سبق، وذاقوا مرارة ملاقاة رجاله في ميادين القتال، ثم ليس من مصلحتهم أن يحترق العراق "الديمقراطي" الذي بشّروا به الشرق الأوسط، وقدّموه كنموذج على نجاح مشروعهم.
ــــــــــــــــــــــــــ
حرر بتاريخ 27/ 3/ 2016م