شنّت صفحات التواصل الاجتماعي التابعة للفاسدين وأصحاب الأجندات الخارجيّة حملة شديدة على المظاهرات العراقية التي قادها الزعيم الوطني السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) فهي لم تترك شيء إلا وقالته، وأرادت بكل صورة إسقاط الملحمة العراقيّة الرائعة في ساحة التحرير، حيث احتشد الملايين من العراقيين من كل المدن والأطياف والقوميات والأديان والمذاهب، ليهتفوا لأمل المحرومين والمستضعفين: (نعم.. نعم للسيد القائد).
وكان السؤال الأكثر إلحاحاً أين كان الصدر من الفساد والمُفسدين..؟!
وقد نسي هؤلاء وقوف السيد الصدر بوجه الفساد والمفسدين مُنذ أول يوم وطئت به أقدام الاحتلال الأمريكي أرض العراق الطاهرة، فمنذ ذلك اليوم والسُراق والفاسدين يُحاولون بكل صورة ممكنة ثني المقتدى عن مواجهة أسيادهم المحتلين، وضمّه إلى سرب المصفقين والمُغرّدين للاحتلال لكنّه أبى إلا أن يكون على رأس الثائرين بوجه الاحتلال، وقدّم الآلاف من الضحايا ـ من أتباع أبيه الطاهر ـ ليُرغم الاحتلال بالنتيجة على الانسحاب ذليلاً.
فدعونا نسأل أولئك الذي جاؤوا على متون الدبابات الأمريكيّة عن مشروعهم السياسي الذي جاؤوا به للعراق، أو دعونا نسأل سيدهم (بريمر) عن أول اجتماع له بهم، ما الذي طالبوه به؟
يقول (بريمر) في كتابه (عام قضيته في العراق): {في أول اجتماع لي بقيادات الأحزاب العراقيّة الذين عادوا العراق من الخارج، كُنتُ أجلس على طرف الكُرسي مُتشنجاً قلقاً، ما الذي سوف يقوله هؤلاء وما الذي سيُطالبوني به، كُنتُ خائفا أن يسألوني: ما الذي فعلتموه ببلادنا؟ لماذا دمرتم العراق؟ لماذا فعلتم بنا ذلك؟ لكن أول سؤال طرحوه كان مفاجئاً لي: (أين حقوقنا ورواتبنا ومُخصصاتنا؟)..؟!
يقول (بريمر): عندها استلقيت على الكرسي وأسندت رأسي على مسنده وارتحت، فقد عرفت أن هؤلاء لا يهمهم العراق ولا شعب العراق، إنّما هم رجال يبحثون عن مصالحهم الخاصّة وأطماعهم}...!!
بريمر يتحدث عن قيادات سياسية شيعية وسنية، يتحدث عن علمانيين وإسلاميين ملأوا الدنيا ضجيجا فيما سبق عن ظلم صدام وفساده، قادة لطالما هتف الشعب العراقي لهم: (ماكو ولي إلا علي ** ونريد حاكم جعفري) ولما جاء الجعفري (صخّمها)..!!
وهذه الرواية تؤكد أن القوم جاؤوا لنهب خيرات العراق، لذلك ترى أن كل القرارات والقوانين التي أصدروها في مجلس النواب العراقي كانت تصب في مصالحهم الخاصّة، ابتداءً من حجم الرواتب الخرافيّة مروراً بقانون التقاعد الذي أرهقوا به خزينة الدولة، ولم يكتفوا بذلك حتى أضافوا راتب الخدمة الجهادية 80% من حجم الراتب، عوضا عن (البيتزا) التي كانوا يأكلونها في مطاعم أروبا، أو حتى (الجلو كباب) في مطاعم طهران..!!
هنا أقول: الحمد لله والشكر، فالتاريخ الحديث لم يُسجّل إطلاقاً أن سماحة السيد مقتدى الصدر ألتقى (بريمر) ولا غيره من رموز الاحتلال وحتى من موظفيه الثانويين، رغم أنهم عرضوا عليه رئاسة الجمهورية كما أكد (بريمر) ذلك في كتابه آنف الذِكر.
ولو تتبعنا خطوات السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) الداعية للإصلاح، فلن نجد قائدا ـ غيره ـ هاجم رجاله واتباعه، وأنزل البيانات تلو البيانات التي تبعدهم عن الحياة العامّة، وتشهر بالفاسدين منهم، حتى اشتهر بين أبناء الشعب العراقي، وفي وسائل الإعلام مصطلح (كَصكَوصة مقتدى).
ثم هو بالأمس يصدر بياناً يأمر به نائب رئيس الجمهورية واثنين من الوزراء المحسوبين عليه بالمثول أمام القضاء العراقي ولجنة النزاهة والمُسائلة والعدالة، فمَن مِن القادة الآخرين ـ الذين يدّعون المطالبة بالإصلاح ـ قدّم مديراً أو مديراً عاماً أو حتى موظفا بسيطاً تابع له..؟!
فالصدر حينما ينادي بالإصلاح لا يرفع ذلك شعاراً ـ كما ادعى رئيس الوزراء حيدر العبادي ـ إنما هو يُطبق أقواله ويترجمها بالأفعال، وقد ذهب سماحته بعيداً عندما أعلن براءته من أي فاسد في الحكومة حتى لو كان محسوبا عليه، وفي هذا أعطى لحيدر العبادي والقضاء العراقي حق مطاردة الفاسدين ورفع حمايته عنهم حتى لا يُقال أن للتيار الصدري وزراء فلماذا لا يُحاسبهم، فمحاسبة مسؤول حكومي ليست مهمة مقتدى الصدر إنما هي مهمة القضاء، وقد أعطاكم الصدر حريّة مقاضاة الفاسدين منهم ورفع عنهم الغطاء، بينما غيرهم يهددون القضاء إن تحرّك باتجاه ممثليهم في الحكومة وقد اعترف الحاج هادي العامري بهذه الحقيقة قائلا: (ابن امه الما يخضع للتهديد من القضاة)..!!
ومقتدى الصدر هو الزعيم الوحيد من بين كل الزعماء الذي تنازل عن ستة وزارات للمالكي في العام 2007م، بضمنها مواقع أخرى كالمدراء والمدراء العامين.
والصدر هو القائد الوحيد الذي كظم غيضه حينما كان المالكي يصول ويجول ويعتقل رجاله بحجة أنهم ميليشيات، بينما الآن نرى أن بعض الفصائل تواجه الجيش والأجهزة الأمنية بالرصاص الحي إذا ما حاولت منعهم من ارتكاب جريمة، كما حدث في السطو على شركة النفط في الكوت، ولم تُحرك وزارة الداخلية ساكناً.
والصدر هو الزعيم الوحيد الذي لازال يسكن في بيت والده في الحنانة بينما الآخرون استولوا على قصور النظام السابق، وممتلكات الدولة.
ويعلم كل ابناء الشعب العراقي أن الصدر هو الوحيد الذي أصدر بيانا 2008م يُحرم فيه على اتباعه استغلال عقارات الدولة، بينما الأحزاب الأخرى بأجمعها ـ وبلا استثناء ـ تسيطر على أملاك الدولة بطرق ملتوية.
ومقتدى الصدر هو القائد الوحيد من بين الجميع لا يستلم راتبا من الدولة، بينما ينهب الآخرون خزينة الدولة برواتبهم ورواتب أتباعه، وحماياتهم وخدمهم وسياراتهم.
كل ذلك ولازال البعض ينبح متهجما على صدر العراق الصالح المصلح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الجليل النداويحرر بتاريخ 29/ 2/ 2016م