ما إن أضع رأسي على الوسادة حتى تتوارد الخواطر على مُخيّلتي لتُسهدني وتحرمني المنام، وفي كثير من الأحيان تأخذني إلى أعماق التاريخ حيث حمل قابيل الحجر ليشج رأس أخيه ويقتله رُغم أنّه لا يوجد على وجه البسيطة سواهما وأبويهما..!!
إنه الحسد الذي عُجنت به النفس الإنسانية منذ فجر الخليقة، وكل ما جرى ويجري بين بني آدم من صراعات، إنما بسبب هذه الغريزة، وفي كل مسيرة الدماء الطويلة، منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا نجد أن الطرف المحسود المظلوم لا يضمر في نفسه للحاسد إلا الحُب والإخلاص، وتمنّي الخير والدعوة إلى سبيل الصلاح.
{لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} المائدة 28.
وفي كل القصص التي ذكرتها كُتب السماء، وكتب التاريخ، والتي عشناها في الماضي القريب تنتهي إلى نتيجة واحدة هي خسارة الظالم ونهايته.
{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 30.
هكذا تنهار المنظومة الطاغوتية أمام قوّة وصلابة الحق، حتى وإن فقدت مسيرة الإصلاح قادتها في ثنايا الصراع، ليسجّل التاريخ أنَّ دمَ الحُسين (ع) أطاح بعرش يزيد، وأن دم الصدرين (قدس سرهما) أطاح بعرش صدّام، وأن قافلة دماء شهداء المقاومة أطاحت بالاحتلال.
وفي هذه اللمحة السريعة عن تاريخ الصراع بين الحق والباطل، أجد ثغرة هي دائما تتكرر وتلازم هذا الصراع، وهو المظلوم الذي يقف على التل ليتفرّج، أو حتى يتحوّل إلى بوق للظالم الفاسد، رُغم أنه يعلم أنّه لو نجح الصالحون بثورتهم على الظلم سيكون من أول المنتفعين.
لكن رُغم ذلك نجده ـ دائماً ـ يصمت ويتخذ موقفاً حيادياً حتى إذا ما انجلت الغبرة عن المعركة وانكشف المشهد، وسار الموت بركب الشهداء إلى جنّة المأوى، نصب هو وجماعته مآتم العزاء، وراحوا يبكون مظلوميّة قائد الثورة ويلعنون الجلاّد الذي أهوى من عرش جبروته ببركة دم الشهداء، ومع هذا هُم ينشغلون بالبكاء واللطم والعزاء والقيمة والقامة ويا ليتنا كُنا معكم، في نفس الوقت الذي ينموا بينهم طاغية آخر، وتحاك شبكة للظلم والفساد ليستمر الصراع، وهؤلاء يراوحون على تلّهم ولا يُبارحوه أبداً...!!
ولكن هذه المرّة حدث شيء مُختلف جدّاً، وهو أن يتسلّق الآخرون على دماء الشهداء ويُقدّموا أنفسهم كقادة مصلحين صالحين، وهم رأس الفساد...!!
فعندما كان المُحتل يسرح ويمرح في العراق، كانوا يرونه "قوات صديقة" وقتلوا وعذّبوا الناس وهجروهم وفعلوا كل ما فعله الطغاة من قبلهم وزادوا عليهم باستخدام الدين ستاراً لجرائمهم، وما أن خرج المُحتل حتى تمنطقوا على السيوف ليقولوا لنا: (نحن المُقاومة)..!!
ثم نهضوا بأحزابهم بين نثيلهم ومُعتلفهم، يقضموا ثروة البلد قضم الإبل نبتة الربيع، فحولوا مال الله دولا، وعباده خولا، فهذا الوزير سرق أربعة عشر مليار وهرب إلى بريطانيا، وذاك سطى على مصرف، وثالث أصلح بواسيره بملايين الدنانير، وكل ذلك بالقانون والدستور الذي يعتبر الإسلام مصدره...!!
أما ـ الجارة المُسلمة والتي كُنا نأمل منها الخير ـ فإنها بالأمس أصدرت قراراً بإعدام أحد مسؤوليها لأنه استغل منصبه ليختلس ملياري دولار من أموال الدولة، ولكنها في نفس الوقت تستقبل المالكي الذي أهدر ألف مليار دولار من أموال الشعب العراقي، وتضعه ضمن قادة محور المقاومة، وبذلك هي تقول: أن سرقة أموال الشعب الإيراني حرام، أما سرقة أموال الشعب العراقي فحلال...؟!!
وحينما يخرج قائد تربى في بيت المرجع الشهيد، ونهل من أخلاقه وفكره ويقول لهم اتقوا الله في هذا الشعب المنكوب، وصححوا مسيرتكم، ولنحارب الفساد، يقف الكل بوجهه ويتهمه بشتى التُهم...!!
ومن الممكن تفهم موقف الأحزاب التي ترى أنّ السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) تفوّق عليها بامتلاكه قلوب الناس، دون أن يقدّم لهم صفراء ولا بيضاء، فكصكوصة من الصدر تُخرج الملايين منهم إلى الشارع، بينما هم لا يستطيعون تحريك خمسة نفرات من دون أن ينفقوا، وفي واقع كهذا يمكن أن نتفهم حسد هؤلاء، وعدائهم له.
ويمكن أيضاً أن نتفهم الموقف الإيراني، باعتبار أن إيران دولة تبحث عن مصالحها بعيدا عن المبادئ والقيم، وترى أن مصلحتها ببقاء الفاسدين، فعراق ضعيف بلا مصانع ولا مزارع ولا سيادة خير من عراق قوي مُستقل حر القرار.
ولا أحد يقول لماذا لا تتحدثون عن أمريكا، فالكل يتفق معنا على أن أمريكا عدو، ولا يمكن أن تنتظر من العدو غير الخراب والدمار والفساد والظلم، ولكن أن تتحدث معي بأخلاق علي وتعاملني بأخلاق معاوية فهذا ما نرفضه.
أقول: يمكن أن نتفهم مواقف كل أولئك القوم، ولكن كيف نفسّر أو نتفهّم مواقف من يفترض بهم أنّهم قادة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وواجبهم الأكيد هو الدفاع عن المظلوم ومخاصمة الظالم، لأنّهم زعماء الدين والناطقين باسم الله (سبحانه) لماذا يصمتون..؟!
وما هو الملاك الشرعي الذي يعتمدونه بصمتهم..؟!
ولماذا خذلوا الصدر الثالث كما خذلوا الصدر الأول والصدر الثاني..؟!!
ولماذا يُفضل الجزء الأكبر من أبناء الشعب العراقي الوقوف على التل..؟!!
أتركوا مقتدى الصدر، ودعونا من الأموال، والثروات التي نُهبت، ألا تحرككم دماء أبنائهم التي أهدرت في سبايكر والمجازر الأخرى، وهذه التفجيرات التي تحصد أرواح الأبرياء يومياً، والتي لا تظهر إلا عندما يُقال لهم أنتم فاسدون....؟!؟!
ــــــــــــــــــــــــــ
عبد الجليل النداوي
حرر بتاريخ 7/ 3/ 2016م
