
عشر سنوات مرّت على تسلّم حزب الدعوة للسُلطة في العراق، ومع أنّهم يرفعون صور السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) في مقرّاتهم، وينشرون الـ (بوسترات) التي تتضمن كلماته القصار، ومقاطع من نداءاته التي وجهها للشعب العراقي أيّام الحصار إلا إننا نجد أن تلك الدماء الطاهرة اتُخذت كشعار للوصول إلى السلطة فقط..!!
وسنضع مراحلَ الخذلان التي انتهجها الحزب وكل الأحزاب الإسلاميّة التي ترفع شعار الرضا من محمد باقر الصدر ـ كما فعل بنو العباس ـ وما أن وصلت إلى السلطة حتى فعلت به وبأنصاره ما لم يفعله صدّام نفسه، لذلك أن حوّرت بيتاً من الشعر لدعبل الخزاعي بهذا الخصوص فقلت:
(تالله ما فعلَ العفالقُ فيهُمُ*** معشار ما فعلت بنو "الإسلام")
أولاً. على المستوى الشخصي: فعلى هذا المستوى لم نرَ أي جهد حقيقي للكشف عن مصير العلويّة بنت الهدى ومكان جثمانها الطاهر، كما إننا لم نرى أي تحقيق ولو صوري مع الطاغية صدّام وشركائه في عملية تصفية السيد وشقيقته، وكيف تمت تلك التصفية وأين، فإلى الآن لا نقرأ ولا نسمع سوى الافتراضات والأقاويل المبنية على شهادات من أشخاص مجهولون، وضباط صغار في الأمن العراقي السابق، مع العلم هناك ضباط كبار في جهازي الأمن والمخابرات العراقيّة ـ السابقة ـ هم موجودون الآن، وربما يمسكون بمناصب حساسة في الدولة ويمكن من خلالهم إجراء تحقيق شامل عن ملابسات إعدام السيد الشهيد وبيان تفاصيل هذه الجريمة لنقول ـ على الأقل ـ أنهم فعلوا شيء يستحق الاحترام من أجل الرجل الذي تسلقوا على دمائه للوصول إلى السلطة.
ثانياً. على المستوى الديني: كان السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سرّه) من أعدى أعداء الطائفية وكان يرى في الإسلام كياناً واحداً لا فرق بين مذاهبه إلا بالاجتهادات، فهو حتى عندما ناقش قضية فدك التاريخية لم يتجاوز أبداً على رموز المسلمين، وكان يكتب بعد كل اسم ذكره عبارة (رضي الله عنه)، فقد كان (قدس سره) يرى أن الطائفية وباء إذا ما تفشى بين المُسلمين هدم قواعد الإسلام من الأساس، ولنقرأ هذا المقطع من نداءه الثالث الذي وجهه إلى الشعب العراقي ومنزله محاصر برجال الأمن:
{وأريد أن أقولها لكم: يا أبناء علي والحسين، وأبناء أبي بكر وعمر إن المعركة ليست بين الشيعة والحكم السني، إن الحكم السني الذي مثّله الخلفاء الراشدون والذي كان يقوم على أساس الاسلام والعدل حمل عليٌّ السيف للدفاع عنه، إذ حارب جندياً في حروب الردّة تحت لواء الخليفة الأول أبي بكر وكلنا نحارب تحت راية الاسلام مهما كان لونها المذهبي}
في المقابل نجد أن حزب الدعوة انتهج نهجاً طائفياً بحتاً ليصل بالنتيجة إلى تقديم أمينه العام كمختار للعصر، ولا يخفى ما في هذه التسمية من إشارة إلى تصفية الآخر كما فعل المختار بن أبي عبيد ببني أميّة..!!
ثالثاً. على المستوى الجهادي: يُعتبر السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سرّه) رافع لواء الجهاد ضد تسلط قوى الظلام الإمبرياليّة، وكان يرى في النظام السياسي الأمريكي نظاماً قائماً على الظلم وامتصاص دماء الشعوب، ولذا وضعها على رأس قائمة أعداءه فكريا بما أنتج من التراث العلمي رداً على نظرية الرأس مالية، حتى أن قتله جاء وفقاً لأوامر أمريكيّة للتخلص من قيادة دينية قد تنجح في إقامة دولة إسلامية في العراق على غرار ما فعله السيد الخميني في إيران.
في المقابل نجد أن حزب الدعوة ـ وباقي الأحزاب الإسلاميّة ـ استبسلت في الدفاع عن المشروع الأمريكي، إلى درجة أنهم نصبوا العداء لكل من وجه بندقيته إلى صدور قوات الاحتلال، وفي نهاية المطاف ذهب أمين عام الحزب ـ نوري المالكي ـ إلى واشنطن ليضع إكليلا من الزهور على ضريح قتلى الاحتلال 2011 في الوقت الذين كان رصاص الجيش الأمريكي ينشب بِأجساد الابرياء من أبناء الشعب العراقي..!!
رابعاً. على المستوى السياسي: بذل السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سرّه) وجوده المقدّس وقدّم نفسه العزيز أضحية على مذبح الولاء للإسلام، كل ذلك لأجل التخلص من النظام الديكتاتوري الفاسد، وتحكيم الإسلام في الحياة العامة للشعب العراقي، وكان محور حركته التي انتهت بشهادته بتلك الطريقة المفجعة ـ هو وشقيقته ـ العمل على قيام نظام حكم إسلامي في العراق.
في المقابل تراكضت قيادات حزب الدعوة ـ حتى أصحاب العمائم منهم ـ لتقف في طابور المُستقبلين للحاكم المدني الأمريكي (بريمر) حتى أن أحدهم لما سألوه، أنت أحد تلامذة السيد الشهيد الصدر فكيف ترضى لنفسك التعامل مع سلطات الاحتلال قال: (ما لحكَنه على اللحم خلي نشبع تشريب).!!
وفي نهاية المطاف وفي ظل حكومة الدعوة تضاعف عدد البارات والملاهي الليلة أربعة مرّات عنها في ظل حكم البعث الكافر، بل إن رئيس الوزراء ـ المالكي ـ منح مبلغ 25 مليون دينار عراقي لكل من يفتح باراً أو ملهى، وفقراء العراق يتقممون المزابل بحثا عن قنينة ماء فارغة..!!
خامساً. على المستوى الاجتماعي: عُرف عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) شدّة زهده، ورهافة حسّه بالفقراء والمحرومين ومد يد العون لهم، حتى إنه كان يرفض أن يضع مكيف هواء يعمل بالماء (مُبردة) في بيته ليشاركهم جشب العيش، بينما خرج المالكي من كرسي السلطة ورصيده في العراق والبنوك الأجنبية يقدر بحوالي 76 مليار دولار أمريكي، كلها نهبت من جيوب الفقراء والمحرومين.
وبينما حارب السيد الشهيد (قدس سره) حزب البعث لاستئثارهم بالسُلطة ونهبهم للمال العام، أصبح الرفاق هم المدللون في زمن حكومة الدعوة، إلى درجة أن علي شلاه ـ البعثي المعروف في الحلة ـ خرج على شاشة إحدى الفضائيات وهو يضحك لأن ابنه الصغير صرف مبلغ أربعة ملايين دينار عراقي وهو يلعب بهاتفه النقال..!!
في كل ما تقدّم ـ رغم أننا ذكرناه على عُجالة ـ يتبيّن للقارئ الكريم أنه لا يوجد ما يمثل فكر السيد الشهيد ونهجه الإسلامي والإنساني في ميدان من الميادين التي عمل بها الدعاة، وهكذا قس على باقي الأحزاب "الإسلاميّة" الأخرى إلا ما خرج منها بالدليل، فهو (قدّس سرّه) الدم المضيّع حقاً، وصدق المتنبي حيث يقول:
فلمْ أرَ وِدّهم إلا خداعاً *** ولم أرَ دينهم إلا نفاقا
ــــــــــــــــــــــــــ
حرر بتاريخ 10/ 4/ 2016م