GuidePedia



في أوائل تسعينيات القرن المُنصرم كانت تربطني علاقة وثيقة بالأخ (باسم العوّادي) المستشار الإعلامي للسيد عمار الحكيم حالياً ـ يُقيم في لندن ـ وباسم هذا له قصّة عجيبة مع الإيرانيين حينما كان يعمل كأحد أفراد مجاميع مجاهدي الداخل التابعة لحزب الدعوة ـ ليس هذا محلّها ـ ولكنّه بعد أن استقال من الحزب عمل في مكتب حسين الشهرستاني، وزير التعليم العالي والبحث العلمي حالياً.
وفي أحد الأيّام ـ وكنتُ وباسم ومجموعة من أبناء مدينة الشطرة الطيبين نسكن في بيت عزّاب في مدينة قم الإيرانية ـ المُهم.. جاء باسم العوّادي يحمل ملفاً يتألف من مائة وستين صفحة مطبوعة بالأحرف الصغيرة، ولو أنّه طُبع بالأحرف العادية لتجاوز عدد صفحاته الأربعمائة، كان يُمسك المظروف بيده ويلوّح به لي وهو يقول:
(تدري شكو بهذا الظرف أبو مرتضى؟)
قُلت: وما أدراني.
قال: هذا تقرير أعدته لجنة من ضباط المخابرات الأمريكيّة (C A I) لشكل الحُكم في العراق فيما بعد صدّام، وقد أرسل من لندن إلى مكتب حسين الشهرستاني مكتوب عليه: سرّي وشخصي للغاية..!!
قُلت: ولماذا جلبته معك؟!
قال: الشهرستاني غير موجود حالياً وسيعود بعد إسبوع، وعلي أن أرسله إلى مكتبه في طهران غدا.
قُلت له: هل تسمح لي بنسخه؟
قال: لا يا أبا مرتضى ففي ذلك مسؤولية كبيرة، ولكن لأنّك عزيز عليَّ سأسمح لك بقراءته فقط.
قُلت: سأقرأه ولكن أرجو أن تسمح لي بتدوين ما أراه ضرورياً منه، فوافق.
استلمت منه الظرف وكانت الساعة قد قاربت التاسعة ليلاً، وانكببت على قراءته إلى الساعة الثامنة صباحاً دون انقطاع، إلا عندما أحتاج إلى بيت الراحة، وأقسم أن كل ما جرى ويجري في العراق ـ بعد سقوط النظام ـ كان في ذلك التقرير، ولكن للأسف لا استطيع كتابة النصوص التي دونتها حرفياً، لأنها ضاعت منّي بسبب كثرة الحط والترحال، ولكن ما بقي منها محفوراً في ذاكرتي أذكره لكم الآن:
فمثلاً هم حينما تحدثوا عن شمال العراق كتبوا عنه (إقليم كردستان!)، ووضعوا توصيات توجب على الحكومة الأمريكيّة تقوية الإقليم، إلى درجة تجعله بعيداً عن أي ضغوط يمكن أن يواجهّا من قبل الحكومة المركزيّة في بغداد، فهو حكومة شبه مستقلّة تتعامل بنديّة ـ وربّما فوقيّة ـ مع المركز، لتتمكن من إعلان انفصالها متى ما قررت أمريكا ذلك..!!
وحينما كانوا يتحدثون عن الأحزاب الإسلاميّة (الشيعيّة) كانوا يرون أن حزب الدعوة حزب ضعيف وهو ليس ذي بال في الساحة السياسية العراقيّة، كما إنه ليس على وفاق مع القيادة الإيرانيّة، بينما يتمتع المجلس الأعلى بقاعدة شعبيّة داخل العراق نظراً لما تتمتع به أسرة آل الحكيم من احترام لدى الشعب العراقي، كما إنّهم يمثلون ـ أيديولوجياً ـ الخط الإيراني في صفوف المعارضة العراقية.
وكانت التوصية تؤكد على ضرورة دعم حزب الدعوة وإعطائه الدور الأساسي في الساحة الشيعيّة ـ ذات الأغلبيّة السكانيّة في العراق ـ بعد دراسة ملفّات قياداته كلِّ على حدة، لإقصاء ما يمكن أن يُشكّل خطراً على المشروع الأمريكي مستقبلاً.
وهنا تعرف كيف وصل حزب الدعوة إلى رئاسة الوزراء رغم أن المجلس جماهيرياً أوسع من الحزب.
طبعاً أخذوا بالاعتبار أن حزب الدعوة هو حزب إسلامي عروبي بالأساس، وله تاريخ جهادي طويل، فكانوا يخشون أن ينقلب عليهم بعد أن يستتب له الأمر، لذلك تم إقصاء أغلب قياداته الوطنية النزيهة، واختاروا منهم ما يجدون فيه الطاعة والانبطاح الكامل للأوامر الأمريكيّة، إلى حد أنّ أمينه العام يضع إكليلاً من الزهور على ضريح قتلى الاحتلال دون أن يشعره ذلك بالخجل..!!
وأنا أكتب هذه السطور مرّت على خاطري صورة الشهيد القائد عز الدين سليم (رحمه الله)، وكيف أن عملاء أمريكا قتلوه عند بوابة المنطقة الخضراء..!!
أما عن بقايا البعث ـ وهنا لا أعني الموظفين والضباط المهنيين في الداخلية والدفاع وباقي المؤسسات ـ وإنما أولئك الذين كانوا يمثلون الأداة القمعية التي طالما بطش بها النظام، فكانت التوصية بحمايتهم ودمجهم في أجهزة الدولة الجديدة بعد غسل سجلاّتهم الوسخة، وأطلقوا على هذه الخطوة بـ (الصداميّة بلا صدّام) أي إنتاج نظام قمعي يشبه نظام صدام ولكن بدون صدام، لاستخدامه في مواجهة أي ردة فعل قد تواجه الاحتلال من قبل الشعب العراقي..!!
وهنا أتمنى على القارئ الكريم أن يرجع إلى تاريخ كل أولئك الضباط الذين وقفوا بوجه المقاومة العراقيّة وقمعوها، وأصبحوا اليد التي تبطش بها أمريكا، خذوا مثلاً اللواء رائد شاكر جودت ـ أحد ضباط فدائيّ صدام سابقاً ـ وقائد الشرطة الاتحادية الآن، والذي قاد مذبحة كربلاء عام 2008م، فلم يستثني حتى الأطفال والنساء من بطشه، فكيف تسلّق هذا الرجل في المناصب ليصل إلى ما وصل إليه رغم تاريخه البعثي، ومثله العميد علي مطشر آل خوام ـ مدير أمن غماس سابقا ـ ومدير مكافحة الإرهاب في السماوة بعد الاحتلال، هذا الرجل استطاع بالفعل أن يكسر شوكة المقاومة في السماوة، وأن يفصل فيما بينها وبين جماهيرها رغم ما تتمتع به المدينة من الطابع العشائري الداعي لحماية أبناء العشيرة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً..!!
رغم ذلك كلما اعترضنا على ما يجري، أو طالبنا بالإصلاح واجهونا بالتهمة الجاهزة: أنتم بعثيون..؟!
لكن هناك نقطة لم يذكرها التقرير، وهي تمثّل مكر الله (تعالى) الطيّب في هذه المُعادلة، حيث لم يتطرق التقرير إلى وضع التيار الصدري لأنّ السيد الشهيد (قدّس سرّه) لم يكن حينها قد ظهر على الساحة العراقيّة، وإنما كان الله (سبحانه) قد ذخره ليُعز به دينه، ويُذل به عدوه الأمريكي، لأنه لا يوجد أحد ممن يدعون التشيّع ـ حتى من أتباع الولاية ـ مؤهلاً للقيام بهذا الدور العظيم، بل كلّهم أصبحوا أصدقاء أمريكا.
وهنا أختم بالقول إن كل ما يجري من ظلم ومفاسد في العراق، كان مُخططٌ له حتى قبل أن يأتي هؤلاء إلى السلطة، وما هُم إلا أدوات تُنفذ ما يريده المُحتل منهم، وبعبارة أخرى هذه العملية ولدت ملوثة بفايروس الفساد الأمريكي، لذلك أصحابها يرفضون أي دعوة إصلاح، لأن الأمر ليس بأيديهم:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} البقرة 11 ـ 13.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبد الجليل النداوي
حرر بتاريخ 6/ 4/ 2016م

[اخبار][vertical][animated][7]

[مقال][vertical][animated][7]

 
Top