
قال رسول الله (ص): (ما أظلّت الخضراء،
ولا أقلّت الغبراء أصدَقُ ذي لهجةٍ من أبي ذر).
نعم.. دخل أبو ذر #مكّة فرأى بطش قريش بالمُسلمين
وطغيانها عليهم، فوقف بالقرب من الكعبة وصرخ: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ
محمّداً رسول الله.
بهذا الشموخ وهذه الجرأة الفريدة افتتح
الرجل مسيرته الإصلاحيّة، واقفاً بوجه الأصنام المعبودة من دون الله، وعُتاة قريش،
وأعلن رفضه التام والصريح لهم ولما يعبدون، فتراكض المتملقون أولئك الذين يهتفون دائما
للطغاة و (يا هو الـﭼـان تاج روسهم) تراكضوا عليه وأبرحوه ضرباً بكل ما نالته أيديهم
من العِصي والحجر، وانهالوا عليه بالشتائم والسباب، وكانت الإمدادات تصل تباعاً للنيل
منه، كل ذلك وأبو ذر ثابتاً صامداً على موقفه، وكان صوته أعلى من صوت الضرب والسباب:
لا إله إلا الله محمّدٌ رسول الله..!!
وبعد أن ملّوا من ضربه تركوه ليسحب نفسه
إلى بئر زمزم والدماء تسيل من كل أنحاء جسده النحيل، فغسل جراحاته، لكنّه كان راضياً
كل الرضا عن نفسه وهو يرى دماء الحريّة تلوّن مئزره بالأحمر القاني، لقد وجد هويته،
وكتب وثيقة حرّيته، ودفع ضريبة عقيدته.
كلُّ هذا وأبو ذر لم يلتقِ برسول الله بعد،
فتوجه إلى نبي الرحمة ليسلم على يديه ويسمع أول حديثين كأن النبي (ص) خصّه بهما: (قُلِ
الحق وإن كان مُرّاً) و (لا تخشى في الله لومَة لائم) فاتخذهما شعاراً لحياته الرسالية
الحافلة بالجهاد، والوقوف بوجه الباطل والفساد.
وودّع #رسول_الله وقلبه مملوء حباً له،
وإيماناً به، فشعر بأنّه بحاجة إلى وقفة تحدٍّ أخرى قبل أن يُغادر مكّة ليُبلّغ قومه
بالرسالة، فتوجه إلى #الكعبة ووقف ببابها وصرخ بأعلى صوته: (أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمّداً رسول الله) لينال جولة أخرى من اللطمات واللكمات والمزيد من (التواثي
والشتايم والفشاير)..!!
هكذا عاش أبو ذر مضطهداً مُعذّباً مقهوراً
طريداً إلى أن وافته المنيّة في منفاه ـ #الربذة ـ وقد علّق نبي الرحمة على صدره وساماً
رفيعاً ـ قبل ذلك بكثير ـ حيث قال: (رحم الله أبا ذر فإنّه يعيش وحيداً ويموت وحيداً
ويُحشر يومَ القيامة وحيداً) نعم سيُحشر أبو ذر وحيداً لأنّه كان الوحيد من بين كل
المسلمين في زمنه الذي رفع راية الإصلاح، لذلك سيُعطى هذه الميزة والتفرّد في يوم القيامة.
وللحكاية شاهد:
دخلت القوات الأمريكية العراق بحجة تحرير
الشعب العراقي من حُكم الطاغية، وما أن ثبتت أقدام جنودها في الأرض حتى أعلنت ـ وعلى
لسان الحاكم المدني بريمر ـ بأنها #حكومة_احتلال فتصدى لها الصدر ورجاله هاتفاً بأعلى
صوته: (كلا.. كلا أمريكا) لتجتمع عليه الحوزة ورجالها، والأحزاب وقادتها، وأغلب المجتمع
العراقي، حتى #إيران التي كُنّا نرجو منها خيراً وقفت خلف "#مجاهدي_بدر"
وهم يتتبعون المجاهدين من أبناء الصدر ويعتقلونهم ويسومونهم سوء العذاب، ومن ثم ليُسلّمونهم
إلى صديقتهم القوات الأمريكيّة..!!
واستوردت القوات الأمريكية آلاف المقاتلين
من#تنظيم_القاعدة الإرهابي لتضرب بهم المقاومين من سُنّة العراق وتشوّه سمعتهم بافتعال#الحرب_الطائفية،
بينما دفعت إيران بمرتزقتها للقيام بعمليات قتل عشوائية واغتيالات طالت الطيارين العراقيين
وإلصاق كل تلك الجرائم بأبناء الصدر، هكذا تعاون الصديقان اللدودان ـ أمريكا وإيران
ـ على إيجاد رأيٍ شعبيٍّ عامٍّ يُطالب بالقضاء على المقاومة، واكتشف السيد #الصدر المؤامرة
وأوعز لرجاله بسحب السلاح من الشارع وجمد #جيش_الإمام_المهدي لوأد الفتنة، لكن الطغاة
سدروا في غيهم، وكانت من ورائهم إيران تريد إخضاع الصدر ورجاله لسلطانها، فكانت#صولة_الفرسان
المشؤومة التي ما انجلت الغبرة فيها إلا عن قتل المئات من أبناء الصدر في البصرة و#مدينة_الصدر،
و #الناصرية..إلخ، وامتلأت السجون مرّة أخرى بالآلاف من أبناء الصدر..!!
نهش الفساد بلحم العراق، وخيراته وثرواته
ولم نجد من يتصدّى للمفسدين غير الصدر، ومرّة أخرى أجمعوا عليه بخيلهم ورجلهم وهو يهتف:
(كلا.. كلا للفساد).
فنعتوا رجاله بـ (الزومبي، وبقايا البعث،
والخارجين عن القانون، والمُخربين، والفوضويين...) إلى آخر قاموس الشتائم، واعتدوا
على المتظاهرين بالغازات السامة المستوردة من جارتنا المسلمة، وبالرصاص، الحي حتى سقط
منهم الشهداء والجرحى، واعتقل العشرات..!!
وبدلاً من الوقوف مع ثورة الإصلاح، وقفت
كل أحزابنا الإسلامية مع الفساد ـ لأنها فاسدة ـ وبقي أغلب الشعب يتفرّج علينا ونحن
نُقمع ونضطهد ونُعذّب ونُلاحق، أما إيران المسلمة التي يحكمها فإنها ما أن تهوي راية
لفاسد حتى تتلقفه بأحضانها من نوري إلى الجبوري إلى..!!
هكذا بقي الصدرُ وحيداً بين أشباه الرجال
ففي كل مرّة يقفون بوجهه، ويُحاربونه لكنه ثابت القدم على ما ربّاه عليه أبوه الصدر
(قدس سره)، فرحم الله مقتدى الصدر فقد جاهد أمريكا وحيداً ووقف بوجه الفساد وحيداً
وسينتصر وحيداً بإذن الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الجليل النداوي
حرر بتاريخ 29/ 8/ 2016