بسمه تعالى
موسى الصدر، وأسباب التغييب٠
الحلقة الثالثة٠
بقلم جليل النوري٠٠٠٠٠
ولانه لا يؤمن بمحدودية التفكير والعمل، فقد ذهب سيدنا المغيب في الانفتاح والمشاركة الخارجية، الى ابعد مما يتوقعه احد، اذ كان له موقفا عمليا، ومشاركة ميدانية على الجبهة المصريّة أيّام حرب تشرين العام ١٩٧٣، والتي حقّق العرب فيها، أوّل انتصار على الكيان الصّهيوني الغاصب، وهي خطوة سعى من خلالها سيدنا الصدر الى ان يقول:
ان الخطر القادم على اي بقعة من بقاع الارض العربية والإسلامية لابد ان يكون أزاءها موقفا موحدا مشتركا جامعا، لصد تلك الاخطار والمخاوف، لان المومنين كالجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فلم يرضَ ان تكون مشاركته باللسان او على الورق ببيان، وإنما آثرَ الا ان يكون حاضرا بجسده وروحه، صفا واحدا مع اخوته في قتالهم، ومشاركتهم فرحة انتصاراتهم٠
ومن بين ابرز العلامات المضيئة في سجل حياة هذا السيد المظلوم، انه أبى العمل تحت اي عنوان غير عنوان وطنه، وهذه احدى الضرائب المهمة التي جعلت من الوضع الداخلي والخارجي مُضَيَّـقاً عليه، فهو أراد ان لا يتدخل اي احد في مصير بلده سوى ابناء بلده، واراد ايضا لهم حرية التحرر من كل قيد، لانه يرى ان العبودية لا تكن الا لله، وان الاوطان لا يشعر بقيمتها الا ابناءها، فمن غير المنطقي ان يكون الدخيل والغريب بأحرص على ارضك وشعبك منك، فلا يؤلم الجرح الا من به الالم٠
وهذا الامر كان عاملا ضاغطا جدا على وضع وحياة سيدنا المغيب، وهو ليس بجديد عليهم، فهم أسرة جدها سيد الأحرار، الذي كان ينادي من بين السهام والسيوف والرماح، كونوا احرارا في دنياكم، فعاش حتى مغيب شمسه، حرا ابى التبعية لأحد الا لله٠
وكانت اقواله في هذا المجال عديدة وواضحة كوضوح نواياه الصادقة، وهو القائل:
(لست يسارياً ولا يمينياً، بل أستمدّ مبادئي من الصراط المستقيم، وسأستمر في هذا الخط الى أن ألقى)٠
وايضاً كان يقول:
(لبنان، وطن نهائي لجميع أبنائه، سيّد حرّ، مستقلّ، عربي الهوية والانتماء)٠
وقد كان للانتماء الوطني الصادق المخلص، الذي اصبح السمة الابرز في مسيرة سيدنا الصدر، اثره البالغ على كل شرائح المجتمع، فالمسيحي والمسلم والملحد على حد سواء، كانوا ينظرون للسيد موسى الصدر ذلك الانسان الوطني الغيور على بلده وشعبه، الذي لم يؤثر في سلوكه ولا في حواره وحراكه ونشاطه وإصلاحه ومقاومته، اي عنوان او هوية اخرى، سوى عنوان الوطن٠
وهذا ما جعله اليوم القدوة الصالحة، والرمز الموحد، والسيد الانسان، لكل فرد رأى او سمع بمآثر موسى الصدر٠
وهنا لا اريد الاستزادة بالموضوع اكثر والشرح أطول، لأننا سنغوص في تفاصيل أدق لا داعٍ لذكرها لحساسيتها، اضافة الى التهرب من الإطناب الممل، ومحاولة ذكر ما حسبناه مختصرا ومفيدا٠
فقط وددت هنا ان أوضح، ان ما انتهجه سيدنا المغيب موسى الصدر، ليس بالأمر السهل او الهين، كما كانت كتابة هذه السطور، بل كان عبارة عن عصارة جهد وحياة، مليئة بكل المخاطر والمصاعب، والتي لم يكن سماحته بغافل عنها، بل كان شاعرا بكل تفاصيلها ومدركا لكل نتائجها، فهو وضع نصب عينيه اخر محطات تفكير الانسان وهو الموت، قبل ان يقوم بأولى خطواته الطيبة، ومع ذلك سار وتقدم حتى اخر يوم غيبته فيه قوى الظلام، وعلى رأسها اسرائيل وعملائها في المنطقة، لانها شعرت ان نموذجا حيّا ولد في المنطقة، سيعمل جاهدا على نسف وجودها وفكرها الشيطاني، فلا يمكن السماح بنموه وانتشاره، وهذا ما كان يتوقعه، وردده في اكثر من مكان وزمان وهو القائل:
(والله قد اُقتَـل او اُخطَف... ولكن لن ابيعكم)٠
وايضاً هو القائل:
(إنّني لا أملك إلا نفسي، ولذلك وضعتها في الميدان، أقدّمها قرباناً للوطن ولحياة المواطنين، ولقضيّة الوطن الكبرى)٠
وفعلا تحقق ما ارادته تلك القوى الظلامية مع شديد الاسف، وغابت تلك الشمس الكريمة، ذات الجدائل الصفراء المطرزة بالحرية، والى الان فارقت ارضها ومحبيها، وجعلتهم يعيشون كل تلك العقود الثلاث واكثر تحت ظلام غيابها،
فهل من إشراق جديد ايتها الشمس؟٠
لتعود لنا بسمة سرقها الظالمون؟٠
ام ان لنا موعدا قريب،
نراك فيه جميعا،
غدا ايتها العزيزة عند الحبيب٠
ملاحظة: فقط من باب الأمانة التاريخية في النقل، فان الأفواج التي أسسها سيدنا المغيب هي (أفواج المقاومة اللبنانية)، وليس (أفواج المقاومة الاسلامية)، لذا اقتضى التنويه٠
----------
جليل النوري
يوم الثلاثاء الموافق للسادس والعشرين من شهر ذي القعدة للعام ١٤٣٧
المصادف للثلاثين من شهر آب للعام ٢٠١٦