GuidePedia



ان مفهوم الانسانية ونتيجة لكثرة تعريفه وتعدد الالفاظ وقولبتها في قوالب قد توحي بمعاني مغايرة للمفهوم الانساني ادى الى دخول الشبهة عند الكثير من المتسائلين والباحثين عن حقيقته.
وخفاء المعنى انما تحقق نتيجة لتلك المغايرة في مؤدى تعريفه المُختلف فيه من ثقافة لأخرى عند الامم البشرية.
فالانسانية وفي تعريف المدرسة الغربية (التجريبية) لها بانها:
[إيديولوجية تتبنى السببية و القيم والعدالة على الوجه الذي يرفض الأفكار الخارقة والدينية كأساس للأخلاق ولاتخاذ القرار].[ Walter, Nicolas 1997. Humanism]
وهذا التعريف يحمل في طياته كماً هائلاً من اعتماد اللاأخلاق التي تصيب مجتمعات اليوم والابتعاد عن السماء وتعاليمها الممهدة لتقبل فكرة الانتقال لعوالم اخرى يعيشها الانسان.!
فالرفض والكفر فيه واضح كما يتضح مدى تأثيره الاستعماري في امم وشعوب اليوم والحاضر اللاانساني الذي يعيش وهم الانسانية لاحقيقتها الغراء.
وعرفتها المدرسة الاغريقية بانها:
(مقياس معرفة الانسان)
[Potter، Charles ص 64–69.]
وعرفتها المدرسة المسيحية المعتدلة بانها:
[التعامل مع"الطبيعة البشرية" بالفضيلة والايجاب]
[ص26 Tony Davies, Humanism]
كذلك عرفتها الفلسفة الراديكالية والليبرالية بانها:
[الفضيلة البشرية قبال الاديان السماوية]
[Russell 2000, pp. 577–8.]
معتبرين ان الانسانية ستكون دين البشر المستقبلي في خطوة لتحدي الله وزرع مفهوم الانفصالية عن السماء.
ولذلك رفضها كثير من فلاسفة التنوير
كـ(جان جاك روسو)و(وجوزيف دي مايستر)
و(إدموند بيرك).
وعَرَفوها بانها:
(تأليه المجتمع البشري وتكريس فلسفة الحياة له).
في قبال هذا الرفض وهذا التعريف قال(بيير جوزيف برودون) السياسي الفرنسي مقولته المشهورة:
"إني على قناعة راسخة بأن الإنسانية النقية ستكون دين المستقبل، فهي عبادة كل ما يتعلق بالإنسان، كل الحياة مكرسة ومرفوعة إلى مستوى القيم الأخلاقية"
[بيتر مارشال، طلب المستحيل، فونتانا، لندن، 1993]
ان هذا الغموض الذي يكتنف هذا المصطلح وهذه النزعة الجدلية في تعريفه جعلته موضوع تجاذب بين المدارس الفلسفية.
ولذا فقد بدأ مصطلح (الإنسانية) يحمل معنى سلبياً. ويتجه نحو فلسفة مغايرة له
فقد عمدت المدرسة الوجودية الى استخدامه كغطاء لتمرير فكرها الداعي الى الانفصال عن الله والقول بسلطة البشر بداعي رفض العقل للدين.
وبالفعل فقد نجحوا الى حدٍ كبير في تحقيق ذلك فقد عمد (الهيجليين) الى تنمية هذا المعنى ثم جاء الليبراليون وادخلوه في المجال السياسي في اوروبا للمطالبة باصلاحات سياسية كمطالبتهم بحق الانتخاب وحرية التعبير والتعليم.
كذلك استخدمته الثورة الفرنسية كعامل مهم في تأليب الشعب الفرنسي على الملكية والارستقراطية انذاك.
وشيئاً فشيئاً اخذت (الانسانية الحديثة) بعدا مادياً وسلطوياً بشرياً مدعماً بالعلم.
لتصبح بعد ذلك (الانسانية العلمانية)التي تختزل الحياة بنظرة شمولية تشمل العقل البشري والطبيعة الميتافيزيقية للكون والأخلاق وتوزيع العدالة المجتمعة وفق مناهج تجريبية.
وترفض بالمقابل الإدعاءات بوجود (الله) و (القوى الخارقة) للطبيعة والأمور الإيمانية والعلوم (التقوائية):
(كالتنبؤ بالمستقبل وتفسير الرؤى بالإعتماد على الفيوض اللاهوتية).
أو (طقوس التنجيم والفال والخرافات المتصورة والأساطير).
واضعين جميع تلك المعاني في سلة واحدة مع حجم الفارق بينها عقلاً ومنطقاً..!!.
وهذا الوضع يأتي طبعاً في مجمل دعوتهم الى رفض الجانب الغيبي لهذا الكون والقول بـ(سيادة وسلطة البشر) على جميع مافي الكون.
وهذا طرح خطير جداً مُني به عالم اليوم وهو بطبيعة الحال يستنزف الحياة الانسانية والقيم الفكرية.
فمامعنى القول بسيادة وسلطة البشر الا رفض واضح للـه رب العالمين.
ورفض لجميع الاديان القديمة والحديثة القائلة بوجوب الايمان بالله.
بل مااثار حفيظتي تجاه هذا الامر ماتروج له سينما هوليود هذه الايام في عدة افلام بثتها من فكرة (المهندسين) لهذا الكون.!
ومن المعلوم ان لفظ (المهندسين) اصطلاح شائع عند (الماسونيين).
ويطلق على رؤساء (الماسونية العالمية) التي تتلاعب بمقدرات الشعوب.
في اشارة واضحة الى تركيز مفهوم القول بربوبيتهم عند الماديين والشعوب الملحدة.
ثم ان القول بسلطة البشر يتضمن مخاطر اخرى مضافاً الى خطرها الفكري.
فهي تستنزف ماموجود من نبات وحيوان وموارد طبيعية لصالح المجتمع البشري دون مراعاتها.
وهذا مانشاهده يحصل فعلاً من استنزافٍ واضح للكرة الارضية بمافيها من خيرات مهدداً بانقراض الحياة على هذا الكوكب.
ومما سبق يتبين أن الإنسانية في المفهوم الغربي ترتكز على الإيمان بالإنسان، والاعتقاد بقيمته واعتباره مقياس كل شيء.
وهذا واضح وجلي منذ بدأ تلك الحركة الفكرية التي سادت في عصر النهضة الأوربية، الداعية إلى الاعتداد بالفكر الإنساني ومقاومة الجمود والتقليد، والتي كانت ترمي بوجه خاص إلى التخلص من سلطة الكنيسة وقيود القرون الوسطى، ومن أشهر دعاتها (بترارك) و(إرزم) .
ويتم ذلك عن طريق تحقيق الحرية، وسبيل ذلك لديهم تحطيم ما يسمونه قيود العصر الوسيط ومقاومة الجمود والتقليد
وبذلك فإن الإنسانية كما بينا أصبحت بمثابة دين يُعبد من دون الله، دين يجعل الإنسان مقياس كل شيء، وقادرًا على بلوغ حقه المطلق للتمتع بالحياة دون قيد او مسئولية.
لقد قام المذهب الإنساني في عصر النهضة الأوربية على ابراز القيمة الجوهرية لحياة الإنسان في الدنيا دون الاهتمام بالعنصر الروحي له.
والفكر الغربي بعامة لم يقف –في الظاهر- عند محاربة الدين، بل حاول إيجاد بديل للدين كمابينا سلفاً يتمثل في دعوات كثيرة، أبرزها "الإنسانية"، التي جعلت من الإيمان بالإنسانية بديلاً عن الإيمان بالله، وأعلنت أن الإنسانية غاية لا تُعرف غاية وراءها.
والقاسم المشترك بين فلاسفة المذهب الإنساني الغربي من عصر (بروتاغوراس) إلى عصر (أوجست كونت): أنهم يثقون في العلم والعقل ثقة مطلقة، ويعتبرونهما منقذين رئيسين للإنسان.
لقد عَنِيتْ الإنسانية الغربية بحياة الإنسان الدنيوية، وأنكرت الحياة الآخرة، مما أدى بها إلى القول بالمصادفة بحدوث الخليقة، والحتمية التاريخية، والقول بأن قدرة الطبيعة تستطيع تكوين الإنسان وخلقه بتركيباته العجيبة ووظائفه العديدة.
وتُعتبر هذه النظرة من أخطر مزالق الحركة الإنسانية الخاطئة في الغرب
ولااستسهب هنا بقدر مااريد ان ابين ان الانسانية قد استُغلت من قبل حركات الالحاد والمنحرفين في العالم نتيجةً لغموضها سواء كان ذلك في عصر النهضة او عصر التطور.(على حد وصفهم وتعبيرهم).
وذلك طبعاً لعجز المدارس الفكرية الواضح في ايجاد تعريف جامع ومانع وتطبيق عملي لهذا المفهوم السامي.
وفي المقال القادم ساتكلم عن
{الانسانية في الفكر الاسلامي}،
ومقدار اعتدال الاسلام في طرحه وتعريفه لهذه القيم الفطرية.

علي الطالقاني

كربلاء المقدسة

[اخبار][vertical][animated][7]

[مقال][vertical][animated][7]

 
Top